مرتضى الزبيدي
32
تاج العروس
وفي الأساس : وائْتَمَرْتُ ما أمرْتَنِي به : امْتَثَلْتُ . ووَقَعَ أمرٌ عظيمٌ ، أي الحادثةُ ، ج أمُورٌ ، لا يُكَسَّر على غيرِ ذلك ، وفي التَّنزِيل العزيز : ( ألا إلى اللهِ تَصِيرُ الأمُورُ ) ( 1 ) . ويقال : أمْرُ فلانٍ مستقيمٌ ، وأمُورُه مستقيمةٌ . وقد وَقَعَ في مُصَنَّفات الأُصُول الفَرْقُ في الجَمْع ، فقالوا : الأمر إذا كان بمعنَى ضِدَّ النهي فجمعُه أوِامِرُ ، وإذا كان بمعنَى الشَّأْنِ فجمعُه أمُور ، وعليه أكثرُ الفُقَهاء ، وهو الجارِي في ألْسِنَة الأقوام . وحقَّق شيخُنَا في بعض الحَوَاشِي الأُصولِيَّة ما نصُّه : اختلفوا في واحدِ أمورٍ وأوامِرَ ، فقال الأُصوليُّون : إنّ الأمرَ بمعنى القولِ المخصَّصِ يُجمَع على أوامِرَ وبمعنَى الفِعْلِ أو الشأْن يُجمعَ على أمُورٍ ، ولا يُعْرَف من وافقَهم إلا الجوهريّ في قوله : أمَرَه بكذا أمْراً وجمعُه أوامِرُ ، وأما الأزهريُّ فإنه قال : الأمْرُ ضِدُّ النَّهْي واحدُ الأمُور . وفي المُحكَم : لا يُجمَع الأمرُ إلا على أُمور ، ولم يَذْكُر أحدٌ من النُّحاة أنّ فَعْلاً يُجمَع على فَوَاعِلَ ، أو أنَّ شيئاً من الثُّلاثِيَّاتِ يُجْمَع على فَوَاعِلَ ، ثم نَقَلَ شيخُنَا عن شرح البُرْهَان كلاماً ينبغي التَّأَمُّلُ فيه . وفي المِصباح : جَمْعُ الأمْرِ أوامرُ هكذا يَتكلَّم به النَّاس ، ومِن الأئِمَّة مَنْ يُصححِّه ويقول في تَأْوِيله : إنّ الأمْرَ مَأْمُورٌ به ، ثم حُوِّلَ المفعولُ إلى فاعل ، كما قيل أمْرٌ عارِفٌ وأصلُه معرُوفٌ ، وعيشةٌ راضيةٌ وأصله مَرْضِيَّة ، إلى غير ذلك ، ثم جُمِع فاعلٌ على فَوَاعِلَ ، فأوامِرُ جمعُ مأْمورٍ . وبعضُهُم يقول : جُمِعَ ( 2 ) على أوامِرَ فَرْقاً بينه وبين الأمْرِ بمعْنَى الحالِ ، فإنه يُجمَع على فُعُول . والأمْرُ : مَصْدَرُ أَمَرَ فلانٌ علينا يَأْمُر ، وأمِرَ ، وأمُرَ مُثَلَّثَة ، إذا وَلِيَ ، قال شيخُنا : اقتصرَ في الفَصِيح على الفتْح ، وحَكَى ابنُ القَطّاع الضّمّ ، ورَوَى غيرُهم الكسرَ ، وأنكره جماعةٌ . قلتُ : ما ذَكَره عن الفَصِيح ، فإنه حَكَى ثعلبٌ عن الفَرّاء : كان ذلك إذْ أمَرَ علينا الحَجّاجُ بفتحِ الميمِ . وأما بالكسر والضّمّ فقد حكاهما غيرُ واحدٍ من الأئِمَّة ، قالوا : وقد أمِرَ فلانٌ بالكسر وأمُرَ بالضمّ ، أي : صار أمِيراً ، وأنشدُوا على الكسر : قد أمِرَ المُهَلَّبُ فَكَرْنِبُوا ودَوْلِبُوا وحيثُ شِئْتُمْ فاذْهَبُوا والاسمُ الإمْرَةُ ، بالكسر ، وهي الإمارة ، ومنه حديثُ طَلْحَةَ : لعلَّكَ ساءَتْكَ إمْرَةُ ابنِ عَمِّكَ . وقولُ الجوهريِّ : مصدرٌ ، وَهَمٌ ، قال شيخُنا : وهذا ممّا لا يَنْبَغِي بمثلِه الاعتراضُ عليه : إذْ هو لعلَّه أراد كَوْنَه مَصدَراً على رَأْى مَن يقولُ في أمثاله بالمصدريَّة ، كما في النِّشْدَةِ وأمثالِهَا ، قالوا : إنه مصدرُ نَشَدَ الضَّالَّةَ ، أو جاءَ به على حذْفِ مضافٍ ، أي اسم مصدر الإمرة بالكسر ، أو غير ذلك مما لا يخفَى عمَّن له إلمامٌ باصطلاحهم . ويقال : له على أمْرَةٌ مُطَاعَةٌ ، بالفتح لا غير ، للمَرَّةِ الواحدِةِ منه ، أي من الأمْر ، أيْ له عليَّ أمْرَةٌ أُطِيعُه فيها ولا تَقُل : إمْرَةٌ ، بالكسر ، إنما الإمْرَةٌ من الولاية ، كذا في التَّهْذِيب والصّحاح وشُرُوح الفَصِيح ، وفي الأساس : ولكَ عليَّ أمْرَةٌ مُطاعةٌ ، أي أنْ تَأْمُرَنِي مَرَّةً واحِدَةً فأُطِيعَكَ . والأمِيرُ : المَلِكُ ، لِنَفَاذِ أمْرِه ، وهي أي الأُنْثَى أمِيَرةٌ ، بهاءٍ . قال عبدُ الله بنُ هَمّام السَّلُولِيُّ : ولَوْ جاؤُوا بِرَمْلَةَ أو بِهِنْدٍ * لبايَعْنَا أمِيرَةَ مُؤْمِنينا قال شيخُنَا : وهو بناءً على ما كان في الجاهليَّة مِن تَوْلِيَةِ النِّسَاءِ ، وإنْ مَنَعَ الشَّرْعُ ذلك ، على ما تَقَرَّر ، بَيِّنُ الإمارةِ ، بالكسرِ ، لأنّها من الولايات ، وهي ملحقةٌ بالحِرَف والصَّنائع ، ويُفْتَحُ وهذا ممّا أنكرُوه وقالوا هو لا يُعرَف ، كما في الفَصِيح وشُرُوحه ، قاله شيخُنَا ، وقد ذَكَرَهما صاحبُ اللِّسَان وغيره ، فتَأَمَّلْ " ج أُمَراء " . والأميرُ : قائدُ الأعْمَى ، لأنه يَملِكُ أمرَه ، ومنه قول الأعشى :
--> ( 1 ) سورة الشورى الآية 53 . ( 2 ) يريد الأمر بمعنى الطلب ، كما في المصباح .